أبي منصور الماتريدي
42
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
فيه بيان : أن معتمد المؤمنين على الله تعالى ، وإن قلت أعوانهم وأنصارهم ، وأنهم ليسوا كالمنافقين والكفرة ؛ حيث تركوا اتباع المؤمنين لما رأوا من قلة الأتباع والأعوان لهم وأخبر أن المؤمنين بخلاف تلك الصفة ، وأن ثقتهم واعتمادهم على الله تعالى ليس على كثرة الأنصار ، والله أعلم . قوله تعالى : [ سورة التغابن ( 64 ) : الآيات 14 إلى 18 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 14 ) إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ( 15 ) فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 16 ) إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ ( 17 ) عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 18 ) وقوله - عزّ وجل - : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ . يحتمل أن يكون على تحقيق العداوة ، ويحتمل أن يكون على فعل العداوة ؛ فإن كان على تحقيق العداوة فهو يحتمل وجهين : أحدهما : عداوة ظاهرة ، وهي عداوة الكفر والشرك ؛ وذلك أنه كان في ذلك الزمان يسلم الرجل ويبقى ولده وزوجته على الكفر ، فعلمهم الله تعالى صحبة الأولاد والزوجات : أنه إذا دعوكم إلى الكفر والشرك ، فاحذروهم أن تطيعوهم وأن تعفوا عن عقوبتهم على ما دعوكم إليه ، وتغفروا ؛ فإن الله غفور رحيم . ثم ذكر الله - عزّ وجل - في صحبة الأولاد والزوجات إذا كانوا كفارا - العفو والصفح ، ولم يذكر ذلك في الوالدين المشركين ، ولكنه أمره أن يصاحبهما في الدنيا معروفا لقوله : وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً [ لقمان : 15 ] ، فوجه ذلك - عندنا والله أعلم - : أن يجري سلطانه وغلبته وقهره على زوجته وولده ، فأمره هاهنا بالعفو والصفح ، وأما في الوالدين فليس يجري [ له عليهما ] « 1 » السلطان والقهر والغلبة ؛ فلا معنى [ للعفو والصفح ] « 2 » عنهما ، لكنه أمر [ أن يصاحبهما ] « 3 » في الدنيا معروفا وألا يطيعهما فيما أمراه من المنكر ، والله أعلم . ويحتمل أن تكون هذه العداوة عداوة مستورة ، وهي عداوة النفاق ، فكأنه قال : إن من أزواجكم وأولادكم عدوّا لكم وأنتم لا تشعرون ، وإن تعفوا عن جنايتهم ولم تؤذوهم
--> ( 1 ) في أ : عليهم . ( 2 ) في ب : للصفح والعفو . ( 3 ) في أ : بمصاحبتهما .